عبد الوهاب الشعراني
375
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
كلسان الميزان وأنا واقف تجاهه أنتظر ميل قلبه لمعصية فأنفذ قضاء اللّه فيه بحكم الإضافة فقط ، فلا آتيه إلا إن رأيت لسان الميزان خرج من فيها وتدلى ، فهناك آتيه فأنحيه إلى فعل تلك المعصية ، وما دام لسان الميزان لم يخرج وهو واقف في خط استواء القلب فلا سلطان لي عليه ، لأنه إما معصوم كالأنبياء ، وإما محفوظ كالأولياء ا ه . وقلت : من تحقق بهذا كشفا وشهودا فهو الذي يقيم حجة اللّه تعالى على نفسه وإلا فمن لازمه أن يقول أيّ شيء أعمل ؟ قدّر اللّه تعالى علي فلا يكاد يندم إلا قليلا ، وقد طلب اللّه تعالى منا في هذه الدار الندم والاستغفار عند كل معصية ولم يكتف منا بذلك في الباطن من غير إظهار ، وذلك ليقتدي بنا المريدون ويعظموا حدود اللّه إذا وقعوا في معصية ، ومن هنا سموا الكامل أبا العيون ، فعين ينظر بها التقدير الإلهي ليعطي التوحيد حقه : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) [ الصافات : 96 ] . وعين ينظر بها نسبة الفعل إلى نفسه ليتوب ويستغفر من كل ذنب في آن واحد . ولا يعرف ما قلنا إلا من سلك الطريق ، فإن الإنسان أول ما يفتح عينيه على نسبة الفعل إليه ، فلا يزال كذلك حتى يدخل الطريق وتنجلي له حضرة التوحيد ، فهناك يشهد الفعل للّه تعالى وحده بقطع النظر عن الخلق جملة ، ويصير جبريا محضا ثم يرقيه شيخه إلى حضرة يشهد فيها نقص ذلك المقام من حيث إن عدم نسبة الفعل للعبد كالتكذيب للقرآن ، فإن اللّه تعالى أضاف العمل إلى العبد وأقام به عليه الحجة ، فكيف يقول لا عمل لي ولا حجة للّه عليّ ، وأكثر ما يقع في هذا النقص من يسلك بغير شيخ ، وربما ذاق حضرة التوحيد فوحل فيها إلى أن مات معطلا من العمل بالشريعة فلا تكاد تجده يحرم حراما ولا يستغفر من ذنب مطلقا ، وإن قال له شخص إن اللّه تعالى قال : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [ البقرة : 188 ] . أو قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام » . قال ذلك في حق قوم يشهدون أن لهم مع اللّه ملكا ونحن لا نشهد ذلك ، ومن هنا يضل ضلالا مبينا ويستهين بمحارم اللّه ، فإن زنى يقول إن اللّه هو المقدر ، وإن سكر يقول إن اللّه هو المقدر ، وإن أخذ مال الناس يقول إن اللّه هو المقدر ، فيقال له : وإذا أدخلك جهنم على هذه الأعمال فهو المقدر كما أوضحنا ذلك في رسالة الأنوار ، فو اللّه لو خدم المريد شيخه عمر الدنيا كلها ما أدى شكر أدب واحد علمه له شيخه من هذه الآداب : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الترمذي وقال حديث حسن مرفوعا عن أبي سعيد الخدري قال : « صلّى بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما صلاة العصر ، ثمّ قام خطيبا ، فلم يدع شيئا يكون إلى قيام السّاعة إلّا أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه ، وكان فيما قال : إنّ الدّنيا